الشيخ علي النمازي الشاهرودي

12

مستدرك سفينة البحار

وبالجملة فهؤلاء أخف حالا ممن هو في المرتبة الثالثة ، وهو الذي يزكي نفسه ويعيب غيره ، مثل العابد يقول لغيره من العباد : من هو ، ما عمله ، ومن أين زهده ، ثم يثني على نفسه ويقول : إني لم أفطر منذ كذا وكذا ، ولا أنام بالليل وفلان ليس كذلك . وقد يزكي نفسه ضمنا ، فيقول : قصدني فلان ، فهلك ولده وأخذ ماله ، أو مرض وما يجري مجرى هذا ، يدعي الكرامة لنفسه . وأما العالم فيقول : إني متفنن في العلوم ومطلع على الحقائق ، ورأيت من الشيوخ فلانا وفلانا ، ومن أنت ومن فضلك ومن لقيته . كل ذلك ليصغره ويعظم نفسه فهذا كله آثار الكبر وأخلاق المتكبر . يا ليت شعري من عرف هذه الأخلاق من نفسه وسمع قول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر " كيف يستعظم نفسه ويتكبر على غيره ( 1 ) . تحقيق في علاج الكبر وهو علمي وعملي : أما العلمي فحاصله أن يعرف نفسه وربه ، فإنه مهما عرف نفسه حق المعرفة ، علم أنه أذل من كل ذليل وأقل من كل قليل . ويكفيه لذلك أن يعرف معنى قوله تعالى : * ( قتل الإنسان ما أكفره * من أي شئ خلقه * من نطفة خلقه فقدره * ثم السبيل يسره * ثم أماته فأقبره * ثم إذا شاء أنشره ) * فقد أشير في هذه الآيات إلى أول خلق الإنسان وإلى آخر أمره ، فمن كان بدؤه نطفة من مني يمنى ، ثم كان علقة ، من أين له البطر والكبرياء والفخر والخيلاء ، وهو على التحقيق أخس الأخساء وأضعف الضعفاء ، ويكون آخره الموت فيصير جيفة منتنة قذرة ، ثم تفتت أجزاؤه وتنخر عظامه فتصير رميما ورفاتا ، فتأكل الدود أجزاءه فتصير روثا في أجواف الديدان ، وتكون جيفة تهرب منه الحيوان ويستقذره كل إنسان ، وأحسن أحواله أن يعود إلى ما كان فتصير ترابا يعمل منه الكيزان أو يعمر به البنيان ، ويصير مفقودا بعدما كان موجودا . وأما

--> ( 1 ) جديد ج 73 / 198 .